ما يشغل تفكيرنا

كم وقف قلمي مغلول اليدين عاجزاً عن كتابة ما بين أصابعي ففضّل هو الآخر اعتزال الحياة والكتابة وما بها من كلمات كاذبة، وصَمَتْ.  قد قال العظيم دوستويفسكي في روايته التي لا تزال بين يداي للآن، إن كتابة سيرة ذاتية لهي بالأمر المستحيل ويصعب تصديقه؛ إذ أن النفس الإنسانية- شاءت أم أبَت- لا تستطيع أن تمنع نفسها من الكذب. عندما قرأت هذه الكلمات وقفت عندها وأخذت أتصورها في كل حديث بين من أعرفهم فوجدت أن الإنسان أمام سلسلة لامتناهية من الكذب الشعوري واللاشعوري، حتى وإن لم نُرد أن نكذب فأحياناً نقول كلماتٍ لم تكن على لساننا قبيلها بلحظة..لنختار ما هو أسهل أو أجمل ظاهرياً أو ما يُظهرنا أجمل في عيون من يحدثوننا. كمن يقولون مثلاً "أتذكُر فُلاناً عندما فعل كذا وكذا؟ كنت أنا أول من نبههُ لهذا". لو فكّرت في هذه الكلمات فإنك ستسأل نفسك: وما أدراني أنه هو فعلاً أول من نبّه فُلاناً لهذا الأمر؟ وما أدراهُ هو؟ ما الدليل وما الفائدة في إقناع البشر بأنك أول من فعلت كذا وكذا؟ كلام بلا أدلّة مما يجعله ثرثرةً ليس لها هدف. لو أن الناس تفهم الصمت، لو أنهم يدركون ما أجمل الصمت وما يحمله من أمطار وعواصف ورياحٍ حاله حال الكلِم وأكثر. فهو أعمق. لو أن الناس يتكلمون بدِقة شديدة حتى لا يُخطئ أحد في كلماته، فيكفينا أن نُخطئ بأفعالنا ونُعذب نفسنا بالذنب لأيام. تكفينا الأفعال. دع الكلمات لمن هو واثقٌ مما يقول..والأحمق فقط هو من يثِق فيما يقول إذ أن الكلمات ليست إلا مجموعة آراء تكوّمت في رأس المتحدث فجعلته واثقاً مما يقول حتى وإن لم يستدلّ به..وكما نعلم جميعاً أن الحياة ليست مُطلقة..فهي مجموعة مفاهيم تتغلغل في حياة النفس البشرية على مدار السنين لتتكوّن في النهاية فيما نُطلق عليه آراء ومفاهيم وعبارات، ولكنها ليست مُطلقة.
ولكنّ الكذب مُطلق..أسبابه هي التي تتنوّع وفقاً للنفس وما تهدف وتسعى إليه من الأكاذيب؛ فكلنا نعلم أن إخفاء وتحريف الحقيقة يهدف في أحيانٍ كثيرة إلى التملص من شيء ما، هو عادة ما يكون سؤال شخص متطفل أو ما إلى ذلك، وتضطرنا نفسنا لأن نعطيه نصف ما نريد ونجعله يُصدق أنه حصل على كل ما يريد. ولكن أليس التحريف بخداع إن لم يكُن كذباً؟ أليس إخفاء الحقيقة تملصٌ والتملص شيء غير إنساني؟ لست أدري.
والآن لنعُد لنقطة البداية..أليس في كلماتي هذه شيءٌ من الغرور وإثبات شيء ما لست إلا مقتنعة به وأكتبه لأُقنع من حولي أن يفكروا فيه، على الأقل يفكروا فيه إن لم يقتنعوا به؟ أليس هدف كل كاتب أن يجمع ما في جعبته من أفكار ويبعثها إلى القارئ علّه يجد من يُشاركه ما في عقله من تفكير ويُثبت له أن الجنون لم يصل له بعد؟ أو أن الغرور ليس مشكلته هو فقط؟ أليس الهدف ألا يشعر الكاتب أنه ليس الأناني الوحيد في هذا العالم؟
لو أن عقولنا تمتلئ أكثر بما يستحق التفكير. لو أننا لا نطلق على هذا تفكيراً بل استنزافاً للعقل لا فائدة منه.