6 com

عن ما يتحدث عنه الجميع..

في أول أيام رمضان قررت أن أصلي التراويح في مسجد من المساجد القريبة، ولم أكن قد تذوقت طعمها خارج منزلي منذ سنوات. كنت في أشد الحماسة للنزول والدعاء لبلاد المسلمين ولما يحدث في بلدنا التي نالت كماً هائلاً من الابتلاءات مؤخراً. ذهبت وكان ينتابني شعور رائع مع كل ركعة، صوت عذب وآيات سورة البقرة التي لازلت حتى الآن أحاول حفظها عن ظهر قلب. إلى أن أنهينا الركعات الأربع الأولى وبدأ الإمام في خطبته وهدأ الجميع يستمعون. ولكن على الرغم من الاعتراضات الشديدة من المصلين فقد وجدت الخطبة رائعة، إذ كان حديثه شديد القصر وأكاد أجزم أنه لم يذكر رأياً صريحاً له سياسياً، فكُل ما قاله هو أننا في زمنٍ لا يعبأ أحد فيه أن يأخذ رأي فقيه أو عالم دين مُلمّ بأمور السياسة والدين قبل أن يُفكر في اتباع وجهة نظر معينة، وكلٌ منّا يمشي حسب ما يسمعه وحسب ما يشتهيه من الكلام بغض النظر تماماً عن إعلامنا الفاسد والمضلل.
ابتسمت في قرارة نفسي وأحببت أنه لم يذكر رأياً صريحاً ولم يطلب من الناس اتخاذهُ كما كنت أرى شيوخاً فاسدين في الفترة الأخيرة. ولكن إذ بسيدة تبعدني بمسافة بسيطة تتذمُر وترفع صوتها قائلةً "إحنا جايين نصلي ولا نتكلم في السياسة" وبدأت أسمع أقوالاً متشابهة من حولي وبدأ صوت المصلين يرتفع فأيقنت أن أحداً لم يعجبه الكلام. حزنت.
هنا يأتي تساؤل لا بُد منه: هل جماعات الإسلام السياسي هي السبب في ردة الفعل هذه؟ أم أن المصلين، والعامة، لم يعُد في إمكانهم سماع السياسة في المساجد بعد أن انقلب الشعب على محمد مرسي وانتشرت كلمة "فاشل" عليه ليل نهار؟ أم هل أصبح لدينا من الحساسية في هذه النقاشات ما لا نطيق أن نسمعه في أي مكان ديني أو ربّاني أو في أي مكان طالما أن وجهة نظرنا قد تكون مختلفة؟ والتساؤل الأخير والأهم هو: من أين أتى للناس أصلاً أن الدين والسياسة شيئان مختلفان وأن الرُسل والأنبياء لم يتعاملوا بالسياسة قط؟
سامحوني إذا أطلت الحديث هنا ولكن لا يزال لديّ نقطتين مهمتين أودّ إيضاحهما..
منذ حوالي أسبوعين، خضت نقاشاً مع إحدى الصديقات حول مسألة مشابهة حينما كنت أحاول إبداء وجهة نظري لها (التي لن أُفصح عنها صراحة)، وعلى الرغم من أنني رفضت مسبقاً وذكرت أنني لا أريد نقاشات من هذا النوع مدركةً أن بعض الأشخاص تأخذهم الحماسة للدفاع عن وجهة نظرهم وبدء جدال عنيف لن ينتهي، إلا أنني قلتها وقلت أنني لا أتعاطف كليةً مع من تركوا الدين أو ابتعدوا عنه بسبب الشيوخ الفاسدين والفاشيين والذين لهم دور سلبي جداً ومُنفّر في الإعلام أو في أي مكان. وإذا بالشخص على الطرف الآخر يقول لي قطعياً إنهم هم المسؤولون وهُم وحدهم والآخرون أبرياء مما حدث لهم. وكأننا نسينا أن هناك قرآناً عظيماً وكُتُباً دينية وعلماء دين أيام السالفين قد جدّوا واجتهدوا لِألا يضيع الآخرون في مثل هذه المصائب. أنا لا أنكر الخطأ الفادح الذي أوقعنا فيه أمثال هؤلاء الشيوخ والمصيبة التي أعقبت ذلك من زيادة نسبة المبتعدين عن الدين والبنات التي ترفض الحجاب بعد ارتدائه بسنوات، ولكن الله خلق لنا عقولاً نُفكر بها وقلوباً أصلها الصلاح وروحاً أصلها التعلّق بخالقها، وقدّم لنا قرآنه وكتب السيرة والفقه والدين لكي تدلّنا إلى الطريق الصحيح كلما أحسسنا بانحراف عن التيار.
النقطة الثانية هي قصة بسيطة لها علاقة مباشرة بالكلام السابق..
أعرف شخصاً يدّعي التدين من خارجه وليس متيدنًا في قرارة نفسه، حيث أنه لا يُطبّق الدين في 98% من الأمور الحياتية والصلاة لديه هي عادة يُكمل بعدها أو قبلها شجاراً سابقاً  أو عملاً يُبطل صلاته تماماً، هذ الشخص مُقرب لي جداً ولا أستطيع الاستغناء عنه ولكن تصرفاته تحزنني لأن شخصيته تجعلني عاجزة حتى عن النقاش معه وإعطائه تلميحاً أو إشارة غير مباشرة بأنه على باطل وبأنه سيُنفّر الناس عن الدين. واستمرّت بي الأيام ولم ألفظ كلمة ترشده إلى تفكير سليم، ثمّ بدأت أنا نفسي أتعجب من هؤلاء الذين يجعلهم الدين أسوأ من غير المتدينين، وبدأت أبتعد وأبتعد عن الدين وأتجنّب أي نقاش عنه لأن المثال أمامي سيء أشد السوء لما هو الدين. أثّرت المسألة عليّ بشكلٍ سيء وسلبي جداً حتى بدأت في رمضان من العام الماضي أدعو وأحاول أن أتخذه فرصة لعلّ الله يريني الحق ويُبعدني عن هؤلاء أو يرشدني إلى طريقة حكيمة أتعامل بها معهم في حدود يرضاها لي ويُرضِني بها. وبدأت أتقرب "إليه" وأدعوه ثم بدأت أشعر باطمئنان داخلي وبدأتُ أعامل الناس بطريقة قد تكون عسيرة عليّ في بداية الأمر ولكن بدأت أتعوّد عليها وعلى الصبر (ولازلت أُعافر)، وبدأت اقرأ مقالاتٍ وكتباً دينية وأحضر دروساً وأستمع إلى فيديوهات ترشدني إلى طريقٍ ما.
أعتذر عن الإطالة ولكنني أردت أن أوضح هذه النقطة منذ زمن: نعم لقد تعرضت لتنفير من الدين من أقرب الأشخاص لي وكدتُ أضلّ لولا أن دعيت الله بأن يرزقني صحبة صالحة تدلّني إلى الطريق السليم. فأرجوك لا تتحدث عن تنفير الدين وكأن الملحد أو المُنفَر ضحية بكل الأشكال وليس عليه وِزر ولن يسأله أحد "لماذا اتبعتهم ولم تقرأ".
يا عزيزي لن نُسأل أمام الله معاً، سيسألك الله وحدك وسيسأله وحده. حكّم عقلك وما رزقك الحق به..